فخر الدين الرازي
213
تفسير الرازي
الرجل العاصي والعبد الآبق ، وألقى نفسه في البحر فجاء حوت فابتلعه ، فأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تؤذ منه شعرة . فإني جعلت بطنك سجناً له ولم أجعله طعاماً لك ، ثم لما نجاه الله تعالى من بطن الحوت نبذه بالعراء كالفرخ المنتوف ليس عليه شعر ولا جلد ، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد ، فلما يبست الشجرة حزن عليها يونس عليه السلام فقيل له : أتحزن على شجرة ولم تحزن على مائة ألف أو يزيدون ، حيث لم تذهب إليهم ولم تطلب راحتهم . ثم أوحى الله إليه وأمره أن يذهب إليهم فتوجه يونس عليه السلام نحوهم حتى دخل أرضهم وهم منه غير بعيد فأتاهم يونس عليه السلام ، وقال لملكهم إن الله تعالى أرسلني إليك لترسل معي بني إسرائيل ، فقالوا : ما نعرف ما تقول ، ولو علمنا أنك صادق لفعلنا ، ولقد أتيناكم في دياركم وسبيناكم فلو كان كما تقول لمنعنا الله عنكم ، فطاف ثلاثة أيام يدعوهم إلى ذلك فأبوا عليه فأوحى الله تعالى إليه : قل لهم إن لم تؤمنوا جاءكم العذاب فأبلغهم فأبوا ، فخرج من عندهم فلما فقدوه ندموا على فعلهم فانطلقوا يطلبونه فلم يقدروا عليه ، ثم ذكروا أمرهم وأمر يونس للعلماء الذين كانوا في دينهم ، فقالوا انظروا واطلبوه في المدينة فإن كان فيها فليس مما ذكر من نزول العذاب شيء ، وإن كان قد خرج فهو كما قال : فطلبوه فقيل لهم إنه خرج العشي فلما آيسوا أغلقوا باب مدينتهم فلم يدخلها بقرهم ولا غنمهم وعزلوا الوالدة عن ولدها وكذا الصبيان والأمهات ، ثم قاموا ينتظرون الصبح . فلما انشق الصبح رأوا العذاب ينزل من السماء فشقوا جيوبهم ووضعت الحوامل ما في بطونها ، وصاح الصبيان وثغت الأغنام والبقر ، فرفع الله تعالى عنهم العذاب ، فبعثوا إلى يونس عليه السلام فآمنوا به ، وبعثوا معه بني إسرائيل . فعلى هذا القول كانت رسالة يونس عليه السلام بعد ما نبذه الحوت ، ودليل هذا القول قوله تعالى في سورة الصافات : * ( فنبذناه بالعراء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) * ( الصافات : 145 - 147 ) وفي هذا القول رواية أخرى وهي أن جبريل عليه السلام قال ليونس عليه السلام : انطلق إلى أهل نينوى وأنذرهم أن العذاب قد حضرهم ، فقال يونس عليه السلام : التمس دابة فقال الأمر أعجل من ذلك فغضب وانطلق إلى السفينة ، وباقي الحكاية كما مرت إلى أن التقمه الحوت فانطلق إلى أن وصل إلى نينوى فألقاه هناك . أما القول الثاني : وهو أن قصة الحوت كانت بعد دعائه أهل نينوى وتبليغه رسالة الله إليهم قالوا إنهم لما لم يؤمنوا وعدهم بالعذاب ، فلما كشف العذاب عنهم بعد ما توعدهم به خرج منهم مغاضباً ، ثم ذكروا في سبب الخروج والغضب أموراً . أحدها : أنه استحى أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الكذب . وثانيها : أنه كان من عادتهم قتل الكاذب . وثالثها : أنه دخلته الأنفة . ورابعها : لما لم ينزل العذاب بأولئك ، وأكثر العلماء على القول بأن قصة الحوت وذهاب يونس عليه السلام مغاضباً بعد أن أرسله الله تعالى إليهم ، وبعد رفع العذاب عنهم . المسألة الثالثة : احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من